رتابة

nicola

 

ولا أظن أنها كانت نائمة، إلاّ أن بزوغ الشمس هو دليل يفصل بين يوم وآخر. تحسست فضاء سريرها البارد، انزلت أحد أقدامها لتلامس الارض، ثم ألحقت رجلها الأخرى بأختها .”بدء روتين يومي آخر” هذا مارددته في نفسها، جلست على السرير عدة دقائق. ثم مشت بخطى غير مستعجلة إلى المطبخ، سخنت القليل من الماء، سكبت قهوتها في فنجانها المعتاد.. أخذت تقرأ أول كتاب سقط نظرها عليه. رشفت رشفتين من القهوة ونسيتها حتى بردت. صنعت كوبا اخر، حاولت الكتابة، كتبت أشياء مبعثرة على قصاصات ممزقة كما هي العادة، بردت القهوة للمرة الثالثة، صنعت كوباً آخر و جلست على مكتبها هذه المرة. مدت يدها لحزمة الأوراق المبعثرة أمامها و سحبت أحدها وأخذت تنظر ثم أطالت النظر في النص المكتوب كان النص يحاول مخاطبة أبطالها المغمورين الأحياء بقوة داخل قصصها! كانت السمة التي تطبع أجواء يومها وحياتها، البرود، الصمت، الوحدة. لا تتظاهر بالسعادة ولا تتظاهر بالحزن، لا تتحدث إلى أحد سوى افتعالها المحادثات التي تبدأها مع شخصيات قصصها الناقصة، كأن تقول لبطل قصتها: أنت أحمق، الحياة ليست من هذا الاتجاه!
أحياناً تتبادل الحديث أو الشتائم عبر تعليقاتها في هوامش كتّاب قد ناموا تحت الارض منذ زمن بعيد. هي تعيش بهذه الطريقة دون أن تشعر بالضجر. قد سئم الضجر ملاحقتها بعد أن أعارته اهتماماً في وقت مضى في عدة فصول من حياتها، أما الآن لم تعد تراه أو تحسه. تعيش دون إحساس تقريباً. لاتشعر بأية آلام سوى تلك الأوجاع التي تطولها من عدم نومها على وسادتها بشكل صحيح.. وآلام ظهرها التي تزورها بعد أن تعيد ترتيب البيت.. وتنظيف النوافذ والجدران.. تلك الأوجاع التي تأتي من الجسد.. لكأن أوجاع الحياة قد انطبعت على قلبها حتى أنها ماعادت وجعا.. صارت الوجه الأحادي لقلبها.. باختصار لم تعد تشعر بشيء يرتبط بإحساسها الداخلي!

كان يمضي اليوم والاخر وهي تعاود تكرار الأشياء ذاتها.. لا تتداخل عليها الأيام بل تأتي منسابة، لا تحاول أن تعيش بعكس الاتجاه، لاترفع صوتها على أحد، لا تشتم الأخبار، لا تعترض على السياسية. لم تعد تعرف ولا تكترث لرغباتها، تعيش كما تدعي وفقاً للضروريات.
يحدث أن تتجرأ على الخروج من حصنها، منزلها، أو قصرها المذكور في شعر نزار والذي لطالما رددته “حبيبة قلبك ياولدي نائمة في قصر مرصود” كما أنها ذكرته في أحد القصص التي كتبتها. كانت تجبر نفسها على المشي في الشارع الذي يرفض خطواتها لتزور البقالة كريح مسرعة مرة كل أسبوع، وتعود.. كان يعرف السيد صاحب البقالة مالذي ستشتريه وكم ستنفق خلال هذا اليوم بل حتى خلال الشهر! حاول أكثر من مرة أن يحدثها كأحد الجيران لكنها لم تكن لتهتم بحديثه ولا سؤاله: مرحبا ياسيدة.. كيف حالك؟
عقلها قد تبرمج على أن هذا الحديث العابر يخرج من لسانه بشكل عفوي دون تميز أو تخصيص، حديث غير مهم، سؤال تافه لا جواب له، ولهذا لا تجد الرد يخرج منها ولاتكترث لعادته في السؤال!
لا يغريها شيء.. لا تنتظر أحداً.. لا تعتبر أي النهايات كما يتضح من قصصها الناقصة والمتروكة هي نهايات حقيقية.

كانت قبل أعوام تكتب نهاية قصة وجودها على زاوية الجدار وذيلته بتاريخ، ثم كتبت ، الساعة “الموت”. نعم كان أملها أن تموت في تاريخ ووقت ترتبه هي وأملت في تحقيق أمنيتها الوحيدة لتقف على النهاية اخيرا، وصلت لليوم المحدد.. لكنها الحياة أصرت إلا أن تعاندها، فبدل أن يقترب منها الموت الأعمى كان قد قادها في نفس الوقت الذي كانت قد خططت فيه تشييع جنازتها، حضور مراسم العزاء لجارتها في الشقة المجاورة. عدم موتها ضمن الخطة التي رسمتها كانت خيبتها الأخيرة.

عاشت، بلاحياة! ثم عاشت أكثر تحاول الحياة..