إلى صديقي في العالم الموازي

صديقي في العالم الموازي، وأعرف جيداً بأنك كذلك.
لا أعرف كيف يكون لنا أصدقاء خياليون لا نعرف إن كانوا يشبهوننا أم لا. لكن بما أننا نعيش في عالمين لا يتقاطعان سأحدثك عن عالمنا الذي لا يبدو بهيجاً حقاً إلا أننا نحاول خلق البهجة فيه بأنفسنا وعبر صداقاتنا مجتمعة.
بالنسبة لعالمنا  فلا أتمنى كثيراً أن تعرفه حتى لا تحسبني جزء منه فتتخلى عن رفقتي وصداقتي.
عالمنا عالم وحشي. لا يأبه فيه الإنسان بالإنسان.
عالم أشعر بأنه يحاول مراراً أن يسحق البسطاء أمثالي إلا أن قوة ما تحميني.
قوة لا يصح انتسابها للبشر الفاسدين. تلك القوة الرحيمة التي لا تشبههم أصلا. تلك التي تقع علينا وتُصنع فينا.
أحياناً أخشى أن أكون مسخاً يشببهم في ذلك الفساد. ربما أشببهم دون إرادة حقيقة مني. رغم أني أحاول بكل قوتي أن لا أكون كذلك لكن لا أعرف كيف يحدث أن تصيبنا عدوى الحمق والجشع دون وعينا الكامل.
لكني في ذات الوقت أتمنى لو أكف عن الشعور بكل هذا التعب المرافق لي جراء مشاهدتي مايحدث حولي وعجزي. أدرك عجزي تماما. فإصلاح العالم لن يحدث على يدي. لكن كيف أكون شخصا جيدا في مجتمع تسوده الأنانية؟! تسوده الحروب؟! يسوده القتل الجماعي؟
هل أوجاعي مترفة ياصديقي؟ حيث أنني في مأمن حتى الآن بفعل تلك القوة الآلهية من أوجاع الحرب والدمار والفقر والجوع والأمراض وشر العالم السفلي والعنف.
هل أوجاعي التي أظن بأنها تسحقني هي أوجاع مترفين؟!
أم أن الوجع هو الوجع ولايجوز لي فصله واعادة تسميته؟!
يحتار أمري ولا أفهم حقيقة ذلك. هل ستساعدني على الفهم؟
في الحقيقة لا أتمنى أن يكون عالمك يشبه عالمي أبدا. أتمنى لك عالما مثاليا.وأتمنى أن أتجاوز عالمي إليه. وأخلد إليه وأراك. هل يتنفس حولك الموتى الذين رحلوا عن عالمنا؟ هل هم أصحاء ويبتسمون؟ هل هم خالدون وفرحون؟ إن في عالمي يتحدثون عن حياة أخرى خالدة سنصير إليها إن نجحنا في تجاوز المرارة والعبث الذي يلاحقنا بالإيمان والعمل اللذين يتجددان بفعل القوة الإلهية التي أخبرتك عنها منذ البداية. تلك الحامية والمانعة والمعينة. وكل ذلك لن يحدث إلا بعد أن ننتهي من هذه الحياة المقدرة لنا بزمن معين ومحدود.
أخبرني.. هل أنتم مثلنا؟ هل أنتم تعيشون داخل اطار زمني يشبهنا؟! هل يبغاتكم الموت فجأة في زقاق الحي المجاور؟ هل تقلع الروح من جسد الذين تحبونهم جراء رصاصة همجية خرجت من فوهة متعصب مغرور ؟ هل ينتهى عمر الرضيع بخطأ من طبيب يفترض أنه يحاول حفظ روحه ابتداء؟

لاأعتقد أنك تعيش بشكل يشبهنا وإلا مافائدة أن يكون هناك عالم آخر؟

هل أصابك الحزن؟ هل تتألم لأجلنا؟ أرجوك، لا تفعل.  فليس عالمنا مكمن لذلك فقط وإن كانت المأساة غلابة في كل حين، لكن في عالمنا هناك مستودع للجمال في مصدرين أحدها روح الإنسان وعقله والآخر ذلك الجمال الذي يوجده الخالق في بدائع صنعه من حولنا، سماء وأرض ونجوم وجبال وأنهار. كيف أصف لك ذلك؟! لا أعرف. لكن أود لو أخبئ لك معي صورا وموسيقى ولوحات وأتيك بها لتستوعب ما أعنيه. ولو أن كل الصور ستكون ناقصة أمام الرائحة المستودعة في قلب الأزهار، والأمواج المتحركة في سطح البحار، والغيوم المتلونة في بطن سماء المغيب.
لكن يظل هناك سؤال يطرح نفسه ويلح على أن أسألك..
هل حقا ستشعر بالمشاعر المعقدة التي تصيب من يعيشون في عالمنا لو رأيت تلك اللوحات، وذلك الجمال الذي لا يصير هزيلاً أبداً؟!
هل أنت مثلنا تحمل بين جنبيك مشاعر ونفسية تشبه نفسياتنا سريعة التعقيد؟!
تلك التي ترى الجمال فتحزن حزن لذيذ؟ ترتوي من عطش لتصير في عطش آخر؟ يذهب عنها أرق الوحدة فتصير في أرق الباحث عن ذلك الجمال؟

لا أعرف. ولن أعرف الجواب ربما مالم آتي إليك أو تأتي أنت. وهذا كما يبدو محاط بإستحالة مطلقة للآن فأنت فيما وراء هذا الوجود الذي يصعب أن يدركه عقلي البسيط.
لا عليك. المهم الذي يجب أن تعرفه عن تلك اللوحات و الفنون والموسيقى وليست أي موسيقى بل تلك التي تعرف كيف تسترق أنفاسي وتهبط على كأنها الحل الأبدي لكل مأساة تحاط بالإنسان، أنها هي ما أجدني فيها وتخفف عني وطأة الوجع.
هي ما أودعه الخالق العظيم في الإنسان ليخلق خلالها الحياة في الأرض. هل تفهم ما أقوله؟ أظن ذلك.
سأكتفي بهذا القدر الآن علي أحاول مراسلتك في وقت لاحق.

ف. س

3 thoughts on “إلى صديقي في العالم الموازي

  1. يقول نور:

    رائـعة و عـميقة………….

  2. يقول ASMaa Mousa:

    رائعة يا فطّوم
    أبدعتي!

  3. يقول Manar:

    شيء يطير في رأسي الآن.. وقع منك.

    شكرًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *