اسطنبول٦: السوق | BAZAAR

التسوق في اسطنبول له مذاق القهوة والفواكة المجففة، يوزن بالفضة ربما، ومنقوش بزخارف ملونة. لا تستغربوا علاقة كل ذلك بأسواق اسطنبول.. على الرغم من أن جمال أسواق اسطنبول يكمن في شعبيتها وقدمها.. اسقفها وطريقة بناءها.. أزقتها وتفرعاتها.. جدرانها المتشققة العتيقة، إلا أنك لو أردت أن تعيش التجربة التركية للسوق فحاول أن تكون بسيطاً وتحدث لأولئك البائعين، اترك بينكم مساحة للحوار والمزاح والضحك. حين تدخل القراند بازار أو محمود باشا بازار أترك لقدميك أن تقودك، أترك لنفسك أن تشتهي، ستتوه ولن يكفيك يوم واحد لتشبع رغبة الاكتشاف. ستمشي كثيراً دون أن تشعر بالتعب ولا الملل. ولا يضيرك إن اشتريت من أول محل تشاهد فيه كوب قهوة أعجبك أو لا لأنك ستشاهده مرات أخرى فيما بعد. وستقارب وتقارن في الأسعار وهذا أكثر مايهمك. الحقيقة أنك في هذه الأسواق ستسمع أصوات البسطاء من الأتراك جلياً خلال أحاديث الباعة وتجاذب أطراف الحديث معهم.. فأول سؤال قد يطرحوه عليك هو من أين أنت؟

DSC_0796

كنت أسير مستمتعة بالنظر إلى تلك المحلات المتراصة جنباً لجنب بطريقة عشوائية فمثلاً محل اكسسوارات بجانبه محل لبيع الحلويات، وأخر يبيع الاكسسوارات والشنط مرة أخرى ومن ثم بائع القهوة وهكذا. كلها تتشابه إلا أن المختلف الوحيد هم البائعين أنفسهم. فأول محل دخلت إليه كان يبيع الفضة، تحدثت إليه بالانجليزية ثم حين سمعني أتحدث إلى أختي باللغة العامية قال أتتحدثين العربية الفصحى؟ وبدأ يحكي لي أنه لا يعرف إلا الفصحى ويحمد الله على أنه تعلم اللغة العربية الفصحى ثم قال أنا لا أفهم أي من اللهجات التي تتحدثون بها إطلاقاً فأرجوكم حدثوني بالفصحى. لوهلة شعرت بالخيبة من نفسي، فأنا لا أتحدث الفصحى إلا فيما ندر فاستخدامي لها غالباً مايكون للكتابة فقط وليس للحديث. شعرت بشيء كالحزن على نفسي ثم أن هذه الخيبة تخصني وحدي لا بأس عليكم، ولا تعيروها اهتمامكم.
أجواء تلك الأسواق الشعبية البسيطة جميلة جداً، وصاخبة جداً، كل البضائع هناك مصنوعة محلياً أي في تركيا، فحين تعجبك الأشياء حولك وتبدأ في اختيارك لها تسمع البائعين يحاولون تنبيهك وبكل فخر بأنه مصنوع في تركيا أي بجودة عالية، لا تخشى شيئاً، هذا الفخر في محله! مشيت كثيراً ثم توقفت عند محل يبيع علب من الخشب، منحوتة و مزخرفة بطريقة رائعة، أنيقة جداً جداً، فخمة لأنها مصنوعة باليد، وكم أقدس الصناعة اليدوية. هذه المرة جربت الحديث مع البائع بالعربية، فإذا به يقول بصوت متفاجئ ومندهش: ماشاءالله عرب. ثم بدا على نبرته شيء من الحزن وهو يقول ماشاءالله ماشاءالله، ثم صمت لوهلة وعاد يردد من جديد: الحمدلله أنت عربي الحمدلله. وكأنه يقول لي أنت محظوظة، ألا تشعرين بهذا النعمة! ثم ماعاد مهتماً إن اشترينا أو لا، فقد كان جل تركيزه على حديثي أنا وأختى ونقاشنا فيما نختار لأننا نتحدث إلى بعضنا بالعربية، ثم فجأة نسمعه يعود ويكرر الحمدلله أنت عربي الحمدلله، كنتُ منصته له جداً بوجه خجل غير ملتفت، هذا المسلم مكترث أكثر منا للغة العربية حتى كدت أشعر به يقدسنا فقط لأنه حاول أن يقارب في ذهنه بين حديثنا والقرآن الذي يسمعه ويقرأه. أقسمت في نفسي أني لن أخرج من محله دون أن اشتري شيئاً منه، وفعلت ذلك غير آسفة.

DSC_0331DSC_0725لتلك اللحظة لم يصادفني أحد اكترث كثيراً ليسألني من أي البلاد أنتِ إلى أن وصلنا أحد محلات الفضة التي أعجبني فيها عقد وخاتم، أخذت أختار وأجادل في الأسعار ثم فجأة بدأ يسأل أنتِ من أين ثم جاوبناه جوابنا المعتاد، من اليمن. قال: اليمن !! وبدأ يغني عن التابعي الجليل والجميل “أويس القرني” وابتسامة كبيرة تعلو وجهه وأظن بأنها أغنية مشهورة في تركيا. وبعدها أخذ يحكي لنا قصة هذا التابعي وخلال حديثه تستشف الحب العميق الذي يكنه لهذا التابعي ويقول بصوت يميل إلى الخشوع بأني أحبه لأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد أحبه كثيراً. يالهذه الروح.
الكثير الكثير من الحكايات الممتعة خرجت بها مع أولئك البائعين الطيبين. كان آخرها مع بائع محلات الحلوى “الحلقوم”. كنت من أول أيامي في اسطنبول قد عشقت حلوى الحلقوم بالرمان والعسل. وقبل سفرنا بأيام ومن هذا المحل تذوقناه مرة أخرى وقررنا شراءه، بالرغم من أننا اخترنا مانريد منذ دخولنا إلا أنه حاول معنا أكثر من مرة أن ننوع في خياراتنا وأخذ يحاول معنا تجربة النكهات، يقدّم لنا قطع صغيرة لنتذوقها ويقول هذا بالفستق وهذا بالجوز وهذا بنكهة كذا وهذا بكذا، وأكثر ما يكرره علينا أنه بالعسل وليس بالسكر. وهو يحاول أكثر من مرة كنت أقاطعه بأننا لا نريد سوى الرمان لكنه أصر على المحاولة  وفي النهاية لكثرة ماقاطعته وأصريت على اختيارنا، أخذ يحاول استفزازي بطريقة أقرب ماتكون بالدعابة فقال ها “بترون” ويشير لي بطعم ونكهة جديدة ويقول تريدين؟ ثم بنوع بهار آخر، كفتة، شاورما ها “بترون” تريدين؟ ولم أكن أفهم في البداية مالذي تعنيه كلمة “بترون”، فسألته فإذا به يقول تعني Boss !! أخذنا نضحك معه كثيراً وقبيل خروجنا سألنا من أين أنتم؟! أخبرناه من اليمن وأخذ يردد ذات الأغنية عن أويس القرني الذي غناها أكثر من رجل تركي علينا احتفاء بكوننا من اليمن لأجل التابعي الجليل. لم أكن أعرف أن الشعب التركي شعب مرح ولطيف لهذه الدرجة، فتجربتي السابقة  كانت مجرد ترانزيت لكن مالحظته منذ دخولنا المطار هو التجهم والحزن هذا ماكانت تكتسي به وجوه أهل اسطنبول. أما هذه المرة فلاحظت فيهم الجانبا الآخر.

يالجمال اسطنبول ويا لتناقضاتها المثيرة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *