قابلية الإخفاق هي مايشكلنا ويصنعنا

*نشر في صحيفة مكة

تقول أناييس نن في إحدى مذكراتها: «عندما لا تحقق الحياة المحلوم بها نفسها في الواقع، تصبح فخاً مأساوياً». عبارة كهذه ما إن يقرأها أي عابر فإنها ستلامسه وتحرك فيه أشجاناً لا تنتهي. في المقابل قد يقرأ البعض عبارة متفائلة جداً فيفسر أن الذي كتبها لا يعيش الواقع أبداً، وإلا من أين يأتي بكل هذا التفاؤل. فلنحاول تفسير الموقفين بالأعلى بصورة سريعة.
ما الذي يجعل المتفائل يدعم التفاؤل؟ وما الذي يجعل اليائس ينصر اليائسين؟ هذا يتكون خلال التجارب الشخصية، فحزب المتفائلين هم من يتعثرون ويحاولون مراراً وتكراراً حتى يحظوا بما يريدون، أو ـ لنكون أكثر صدقاً ـ بعض ما يريدون. فليس هناك من يحقق كل مايريده بالمطلق. وحزب اليائسين قد يكونون أخفقوا وتعبوا فتوقفوا على الفور، أي وقعوا في فخ اليأس والاكتئاب والخوف من المحاولة، نتيجة لتجارب كانت نتيجتها الإخفاق. لن أقول ابذلوا جهدكم أكثر ولن أحرضكم على التفاؤل، فهناك من يفعل ذلك وهم كثر، بل أريد أن أخبركم بأن الإخفاق شعور وارد، بل وطبيعي، وأن تمام تركيبة الإنسان يكمن بوجود قابلية هذا الإخفاق وإمكانية هذا التعثر.
بمعنى آخر أننا في جوهرنا غير كاملين، وعدم الكمال هذا هو الباعث على الحلم والتمني، وهذا أمر إيجابي حقاً، فالحياة بمجملها لو كانت مثالية جداً، وكل ما نتمناه سيتحقق على أكمل وجه دون هذا الإخفاق الذي يبث روح المغامرة والتحدي، ستكون واقعاً غير قابل للحياة، أو لن يكون لنجاحاتنا معنى في داخلنا على الأقل. و هذا لأننا لسنا مؤهلين لحياة مثالية غير قابلة للهبوط والوقوع والتدحرج. فالأدبيات التي تتحدث بمثالية مطلقة عن حياة فرد واحد قادر على تحويل المجتمع لحالة نصر، هي قد لا تحثك للوصول لهذا الكمال ولا تلك المثالية، ولكنها هي ردود أفعال هذا النقص الكامن فينا، هي تعبر عن إرادات غير الممكن أو قليل الاحتمال، وهذا ما يجعلها جميلة، لأنها توافق حلم المثالية والكمال الذي لطالما سعى له الإنسان. بصيغة أخرى نستطيع القول إن قابلية الإخفاق هي ما يشكلنا وينحتنا ويصنعنا أفرادًا. فلو اقتطعنا قصص النجاح فقط من قصة حياة الفرد كاملة، فإن كل فرد منا هو ناجح بالضرورة في موقف، أو في ردة فعل، أو في قصة تغير حياته وتنقلها من حال إلى حال.
نستطيع أن نستفيد من إخفاقنا بإقرارنا أننا قابلون للإخفاق، فأكثر الذين يصابون بالاكتئاب سريعاً هم أولئك الذين لا يعتقدون بأن الإخفاق من صميم كينونتنا، فيتخذون موقفاً سريعاً من الإخفاق ثم يخشون الإقدام على الحياة من جديد. إن أحد أهم نتائج قبول الإخفاق داخلياً هو عدم الخوف من المغامرة وعدم التردد في مسائل حياتية صعبة، حتى لو كانت نسبة نجاحها ضئيلة. بالمقابل أولئك الذين يؤمنون بالمثالية ويتخذونها كواق من الإخفاق، يروعهم الإخفاق كثيرًا، فبدل الإقدام خطوة يتراجعون خطوات إلى الوراء، أو ربما يتركون إيقاع حياتهم على وتيرة واحدة دون بذل أدنى جهد لمحاولات أخرى.
إذاً فالمعادلة بسيطة، أننا لا نستطيع الوصول لأمر ما لم نختبر نقيضه في الغالب، فبدل الخوف من أن نتعرض للإخفاق في أمر هو أن نعتقد بأنه مهم للانتقال لمرحلة أخرى، فما لم نتعرض للحزن لن نشعر بالفرح، وما لم نتعرض للإخفاق لن نشعر بالنجاح، وما لم يصبنا اليأس لن نفهم التفاؤل، وهكذا.
يقول جبران خليل جبران: بعض الناس يقول: «إن الفرح أسمى من الحزن» ويقول آخرون : «إنما الحزن أسمى» ولكني أقول لكم إنهما لا ينفصلان، معاً يقبلان، وإذا انفرد أحدهما بك في المائدة فتذكر أن الآخر قد يرقد في فراشك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *