يوم خارج الزمن!

 

أتذكره جيداً ذلك الصباح الذي أتى قبل موعده ب 5 ساعات على أقل تقدير.. وكأن موازين الكون اختلت تماماً فكيف يجيء الصباح قبل موعده؟ وكيف يكون ساطعاً منذ بدايته لهذا الحد.. إنه عنوان ليوم خارج عن المألوف..
كنت مستيقظة وبحكم أن الصباح قد جاء بغتة فابتدأت اليوم دون رغبة في إغلاق الستائر و دون الإصرار على جسدي ليأخذ قسطاً من الراحة.. كنت قبل وطوال الليل القصير الذي لم يتجاوز الساعتين مستغرقة في أعمالي الكتابية حيث أني لم أرفع رأسي عن حاسوبي إلا بضع دقائق مقابل الساعات المتواصلة.. لم أكن أعلم ماذا أكتب بالضبط.. لكني على يقين بأني أكتب و مسترسلة ولا شيء كان بإمكانه قطع أفكاري السائلة، تلك القادرة على الاستمرار بالتدفق من عقلي لتصير نهراً بين يدي.. لست متحمسة لعرض أفكاري على العالم.. لكن كان مهماً أن أقول أني أعيش نهاراً استثنائياً ويقظاً لأبعد حد.. حتى أني خشيت أن أكون تجاوزت طبيعتي لغير طبيعتي فهل أصبحت ملاكاً مثلاً أو شبحاً حقيقياً وأنا التي لا تؤمن بوجود الأشباح إلا في قصص الفانتازيا! أجبرت نفسي على النهوض، صنعت لنفسي كوباً من القهوة، وقفت على النافذة بعضاً من الوقت أتأمل ما يحدث في العالم الخارجي.. كان الهدوء قد ترك الساحات واستسلم للاختباء في الأزقة، وترك الضجيج ليحاصر الأماكن جميعها، أنه ضجيج الحياة.. و الامتلاء.. تنبهت للوقت مرة أخرى فوجدته لا يتحرك! لكن لماذا كل الكون يتحرك بشكل طبيعي؟ لماذا أنا فقط وعالمي تحديداً هو من يتوقف! ويتعثر ويعود للوراء أو يتقدم ببطء شديد بل أشعر به كطفل لتوه تعلم المشي فلا يستطيع أن يتجاوز ال 10 خطوات حتى يتوقف ويجلس منتظراً فرصة أخرى للمحاولة! شعرت بأن علة ما أصابت الوقت عندي.. لم يكن التخمين صعباً لأكتشف المشكلة، لكني وبحكم أن كثيراً من الحياة التي أعيشها لها من الخيال نصيباً، ومن الفانتازيا الشيء الكبير، فقد تخيلت أن الخلل في العالم بأكمله، تخيلت بأنها سيريالية الوقت. كانت المشكلة الوحيدة في الحقيقة هي عطل بسيط في ساعة الحائط التي على جدار غرفتي.. من يستطيع تصديق ذلك؟ من يقدر أن يتخيل مثلي أن كل الذي سبق هو عالم افتراضي بنيته في عقلي وحسب؟
الطبيعي أن يأتي هذا الاحتمال -عطل الساعة وليس توقيت العالم- كاحتمال أول إلى ذهني، لكن ربما ذهني لا يريد العمل وفق طبيعته! لهذا لم انتبه لطبيعة الخلل إلا بعد ساعات طويلة.. كان بإمكاني أن أطالع الساعة في جوالي أو في جدار الغرفة المجاورة على سبيل المثال.. لكنها قدرتي في رؤية العالم كما أريد أن أراه وكما يبدو من الممكن له أن يكون وفقاً لطبيعة ذهني المتخيلة، حتى لو لم يتطابق ذلك مع المنطق ودورة الحياة وشكلها الذي يبدو عليه! لست قارئة نهمة للفانتازيا على أي حال، لكنها استطاعت أن تتشكل في حياتي بشكل ما.. أي على طريقتها التي جعلتني كثيراً ما أتجاوز أموراً جدية بمعادلتها الحرة والخارقة وأبقى في النهاية خارج المفترض والواقع! وأظن السبب الرئيسي في تخيلاتي تلك ببساطة، هي محاولات مستمرة مني في خلق عالم يتكيف مع طبيعتي الحالمة..
في النهاية، أخذت ساعة الحائط المعطلة و أصلحتها وأعدتها لمكانها فعادت الحياة تسير على ما يرام وبشكلها الطبيعي والممل!!

انفعال مستهتر!

 

انفعال مستهتر …

وقفت فتاة حسناء على كرسي أحد المطاعم الفاخرة ذات مرة، لم تكن مهتمة لأناقتها المتكاملة، ولم تكترث لذلك التباهي الذي يسكن أركان ذلك المطعم، فالكل يحاول الظهور، الظهور المادي الذي يسلبهم تماماً حقيقتهم! أما هي فأصرت على ذلك الوقوف المستهتر ليس محاولة في تصغير أو انتقاص نفسها، لكنها الجدية في التصرف وفقاً لسلوكيات طبيعية تتوافق مع بشريتها في مكان يكاد لايكون طبيعيا من وجهة نظرها بأي حال لأنه يضعها ضمن بروتوكولات محددة ويقمع كل انفعالاتها العفوية.. نظر إليها الجميع نظرة استنكار، محاولين بعضهم الشكوى على تصرفها بوصفه أحمقاً، وطفولياً وغير ناضج وأقرب مايكون إلى الجنون! فهل يعقل أن تقف فتاة ثلاثينية إلا 3 أعوام على كرسي، مقهقهة بصوت عالٍ، قائلة أخيراً فعلتها في مطعم من أفخر المطاعم في المدينة؟ هي لم تختر ذلك المطعم بمحض إرادتها، أخذتها صديقتها إليه دون أدنى معرفة بتفاصيل المكان، لكنه توافق مع أمنية حقيقية كانت تلح عليها. لم يصلها خبر استثنائي بفوزها بنوبل مثلاً حتى تبرر لنفسها و لأحد هذا الفعل والتصرف.. لكنها فعلته متعمدة وسط هذا الحشد من الاتيكيت والمكابرة والطرق التي تحوّل الأشخاص الى ارستقراطيين جبراً. بل تقلب أفعالهم  وكأنهم روبوتات لشدة التزامهم بالمراسم المقننة والتي ربما لها إصدارات كثيرة وكتيبات عنونت ب “كيف تصبح راقياً في 50 خطوة”!
هي تمنت أن تدخل بوابة أحد أماكن هؤلاء النخبة بشكل خاطئ لترتكب حماقتها تلك كأحد أكثر 10 أشياء جنوناً تود فعلها في حياتها، وقد تحقق لها ذلك.. لكن سرعان ماوجدت نفسها واقفة على ذلك الكرسي وحيدة متخلية عنها صديقتها لفعلها غير المدروس والذي أقحمها في موقف سخيف أمام معارف كثر! عدا أن أحد الرجال تطفل عليها وعلى هذا الموقف وأخذ يصفق لها بحرارة كأنه يشاهد مسرحية انتصر فيها بطلها على الشر المحض، ليحقق هوالآخر أمنيته في رؤية وتقدير من يتجرأ على كسر نمطية المكان وقوانينه!

حسين البرغوثي: محاولة أخرى لتقديم نفسي

WdKO8U22

*نشر في ساقية

حسين جميل البرغوثي (1954- 2002) شاعر ومفكر فلسطيني. عمل أستاذًا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت حتى عام 1997، وأستاذًا للنقد الأدبي والمسرح في جامعة القدس حتى عام 2000. وأثناء هذه الفترة كان عضوا مؤسسا لبيت الشعر الفلسطيني وعضوا للهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين ورئيسا لتحرير مجلة اوغاريت ومديرًا لتحرير مجلة الشعراء حتى رحيله في عام 2002 مريضًا بالسرطان.

تحدث حسين البرغوثي في نص (محاولة أخرى لتقديم نفسي) كتبه لمجلة مشارف (عدد ٢) بتاريخ ١ سبتمبر ١٩٩٥ عن الشعر وذاته كشاعر يقول فيه:

الشعر بالنسبة لي حوار مرعب، مستفز، وله نشوته. بين القمم والهاوية، بين الحلم واليقظة، بين الموت والحياة، بين الموجود والوجود.إنه حدس بأن كل الكون صدفة، وبأن الصدفة لاتفسره. وبأن العابر والمستقر وجهان للتفسير وليسا تفسيرًا.

مضيفًا على كلامه معنىً للشعر الحقيقي:

أعني بأن الشعر الحقيقي رؤيا تشبه رؤية العدم في قبضة من تراب. ورؤية الرب على أصغر برعم ورد. ذهول مطلق من الموجود والوجود. يظهر في محاولة دائمة لإزاحة كل تفسير وكل معنى وكل رابطة تستأنف الموجود والوجود وحتى إزاحة لهذه اللغة التي تسمح لنا بـ“تسمية الأشياء”، وبالتالي بالبحث الدائم عن “اللا مُسمَّى”.

قال أيضاً :

إن الشعر ليس إلا فتحة في الكون على الكون، والشاعر يوسع الدهليز داخلًا  أعماقًا لم يرها أحد من قبل. خارجًا نحو سطوح لم يرها هو من قبل، وكثيرا مايحتاج ليس للحياة فقط. بل لتحويل “التجربة الحية” إلى معرفة. معرفة تشبة اللذة، لذة الكشف ،لذة إعادة الصياغة ،لذة القوة، وإرادة تصور الوجود.

اعتباره بأن الشعر هو الحقيقة:

الشعر هو الحقيقة، لأن الحقيقة مثلما أشار (نيتشه) مجرد تشبيه منسي. الشاعر لا ينسى الوجود كتشبيه، ولكنه ينسى باستمرار أي تشبيه هو بالضبط! والبحث عن تشابيه بحث عن حقائق من جهة وتعرية لـ “الحقيقة المألوفة” من ذاتها لتسترجع توهجها كتشبيه أصلي. وهكذا نلاحق الوجود، نحفر أمكنة تشبه الأمكنة.

بيكاسو وحديثه عن الأفكار والنجاح (مترجمة)

*نشر في ساقية

حين التقى (بيراشاي) المصور الهنغاري والملقب “بعين باريس” بـ(بيكاسو)، دارت بينهما الكثير من الاحاديث عن الفن، وقد جمعها (بيراشاي) ودونها وقد صدرت في كتاب يحمل عنوان (حوارات مع بيكاسو). وقد استقطبنا هنا حديثهما عن (الأفكار والنجاح).

قال (بيكاسو) محدثا (بيراشاي) عن الأفكار :

ليس لدي أي دليل أو اثبات، الا أني أظن بأن الأفكار ببساطة هي عبارة عن نقاط. و نادرا ما أدونها كما تأتي إلى ذهني. في الوقت الذي أبدأ فيها بالعمل بتلك الافكار فإن غيرها من الأفكار يأتي لقلمي وفرشاتي دون استدعاء مقصود.
في اللحظة التي أشعر فيها بأني أواجه صفحة بيضاء خاوية هذا يعني أني أطلت التفكير فيما أريد رسمه وقد يغلبني ذلك البياض دون رسم أي شيء. والمهم هو أن أجمل وأعمق ما أرسم هو ما أرسمه دون تفكير مسبق.

ويقول: “أن كل ماعليك فعله لتعرف ماذا تريد أن ترسم، هو أن ترسم“.

ثم يدافع براشاي عن فكرة أن بعض الفنانين موهوبين لدرجة أن نجاحهم محقق بلا شك باقتباسه عبارة لـ(ماتيسي) قالها يوما ما له “يجب أن تكون أقوى من موهبتك لتحميها“. ثم يعقب بما قال (بيكاسو) عن النجاح:

اذن، النجاح أمر مهم!
غالبا مايقال أن على الفنان أن يعمل لأجل نفسه أو لأجل حبه للفن و دون الاكتراث للنجاح، وهذا الأمر غير صحيح! لأن الفنان يحتاج النجاح وليس بالعيش خارج أسواره. خاصة وأنه يعمل بكامل قواه البدنية والذهنية والحسية. ولايستثنى الفنان ذو الغنى المادي من ذلك حيث أنه هو أيضا يحتاج للنجاح! فقليل من الناس فقط هم من يستشعرون ويفهمون الفن، والأقل من أؤلئك هم الحساسون تجاه اللوحات والأعمال الفنية. فالأغلبية يحكمون على اللوحات فقط لسمعتها وشهرتها و لنجاحها.
لكن لماذا ترك و ألصق معنى النجاح للوحات الأكثر مبيعا؟ على الرغم من أن لكل جيل ذائقته الخاصة! هناك من أبتدع فكرة أن النجاح يجب أن يذهب لأولئك الذين يلبون رغبة الجماهير والذوق العام، وهذا هو السبب!
بالنسبة لي، كنت دائما أريد أن أثبت لنفسي أنه يمكنني أن أبلغ النجاح بطريقتي الخاصة رغما عن الجميع و دون أي تنازلات!
أتعرف؟ هذا في رأيي هو النجاح الذي حققته منذ أن كنت يافعا حتى أن الفترة الزرقاء وفترة الزهور كانتا دائما الجدار الذي يحميني.

ثم قال بيكاسو أخيرا:

لا تعرض لوحاتك بمبلغ باهظ الثمن، لأنه من المهم جدا أن تبتاع منها أكبر عدد ممكن. فرسوماتك يجب أن تخرج إلى ضوء العالم لا أن تظل حبيسة داخل عالمك أنت.

المصدر الأول، المصدر الثاني.

رسالة سيلفيا بلاث لأمها (مترجمة)

تقول سيلفيا بلاث وهي في عمرها السابع عشر في أحدى رسائلها لوالدتها:

بشكل أو بآخر لابد لي من الاحتفاظ بالسعادة والمتعة لكوني في هذا العمر “السابع عشر”. كل يوم هو يوم ثمين ومتفرد ولذلك أشعر بالحزن اللانهائي حين تعاودني فكرة أن هذا الوقت من عمري يذوب وأنا أكبر وأكبر بعيدة عن نفسي. لكن الآن، هذا العمر هو الأفضل بالنسبة لي.
أنظر في انعكاس أيامي الماضية وعمري الراحل، فأستطيع أن أرى بوضوح أن المآساة والسعادة تقفا جنبا إلى جنب وليس هذا مايهمني الان ويشغلني. مايهم هو أن نبتسم لكل ماهو غامض في هذه الحياة.
للآن أنا لا أعرف نفسي، وقد لا أعرف. لكن كل ما أشعر به هو أني حرة تماما من كل مسؤولية تعوقني عن الحياة.

في هذه اللحظة؛ أنا سعيدة. أجلس على مكتبي، أراقب الأشجار العارية المحيطة بمنزلي. دائما أريد أن أكون مراقب ومتأمل. وأريد أن اتأثر بالحياة في أعماقي لكن ليس لدرجة العمى حيث عندها لن أرى قسمتي من الوجود وياللسخرية! وقتها سأسخر من نفسي كما أسخر من الاخرين.

أخاف أن أكبر أكثر. أخاف أن أتزوج. اعفيني من طبخ ثلاث وجبات يوميا. اعفيني من الدخول إلى سجن الروتين و التكرار!

 

من أحجار داوود إلى دبابات جليات

* نشر في ساقية

خوزيه ساراماغو (1922-2010) روائي برتغالي حائز على جائزة نوبل للأدب (عام 1995) وكاتب أدبي و مسرحي وصحفي. مؤلفاته التي يمكن اعتبار بعضها أمثولات، تستعرض عادة أحداثا تاريخية من وجهة نظر مختلفة تتمركز حول العنصر الإنساني. من أبرز رواياته وأشهرها رواية (العمى) التي نُشرت في عام 1995.

في مجلة الكرمل، العدد ٧٢/٧٣ عام ٢٠٠٢، ترجم الأستاذ (سهير عصفور) مقالة للروائي البرتغالي، بعنوان “من أحجار داوود إلى دبابات جليات”، تحدث فيها عن القضية الفلسطينية، يقول فيها:

تؤكد بعض السلطات الدينية المعنية بالشؤون الإنجيلية أن سفر صموئيل الأول كتب في عهد سليمان أو بعده مباشرة، أي قبل السبي البابلي الشهير، بينما يؤكد فريق آخر من الباريسيين الذين ليسوا أقل كفاية أن سفر صموئيل الأول والثاني أيضاً كتبا بعد النفي إلى بابل، وإن البناء التاريخي والسياسي والديني للنصين يخضع لطريقة تقسيم الأحداث نفسها في سفر التثنية، من حيث التتابع والتسلسل: تحالف الله مع شعبه، خيانة هذا الشعب، عقاب الله، توسلاتهم ثم أخيراً عفو الله عنهم.

إذا كان النص المبجل ينتمي إلى عهد سليمان فيمكننا القول إنه مر عليه قرابة ثلاثة آلاف عام. وإذا كان من قاموا بتحرير هذا النص فرغوا منه بعد عودة اليهود من المنفى، فعلينا أن ننقص خمسمائة عام تقريباً من الثلاثة آلاف عام. إن هذا الاهتمام الشديد بتحري الدقة في تحديد التاريخ والزمن هدفه الأوحد هو لفت نظر القارئ إلي أن الحكاية الدينية الشهيرة التي تحكى عن المعركة بين الراعي داوود والعملاق الفلسطيني جليات-والتي انتهت قبل أن تبدأ- تروى للأطفال في شكل خاطئ من خمس وعشرين أو ثلاثين قرناً على الأقل. فعلى مر العصور أخذت الأجزاء المهمة في القصة، تتطور بما يتوافق مع الرؤية غير التحليلية لأكثر من مئة جيل من المؤمنين / المستعمرين من اليهود والمسيحين، وياللتزييف المضلل عن التباين القاسي بين حجم العملاق جليات الذي يصل طوله إلى أربعة أمتار والتركيبة الجسدية الهزيلة لداوود الأشقر الضعيف. لكن هذا التباين المفزع يتم تعويضه، بل الإفادة منه لمصلحة داوود الإسرائيلي، وذلك لأنه فتى ذكي، بينما جليات مجرد كتلة غبية من اللحم.

كان الفتى ذكياً فعلاً حين أخذ معه، قبل ذهابه لمواجهة الفلسطيني، خمس قطع من الحجارة الملساء، وجدها على ضفة نهر صغير قريب، فوضعها في الخرج الذي يحمله، أما الآخر فكان شديد الغباء إلى درجة أنه لم يدرك أن داوود أتى مسلحاً بمسدس. بالطبع سيستاء عشاق الحقائق العظيمة، ويجيبون مستنكرين بأنه لم يكن مسدساً، وإنما مقلاعاً بسيطاً متواضعاً كالمقاليع التي كان يستخدمها خدام ابراهام لرعي القطيع في الزمن المنصرم.

فعلاً… هذا صحيح فلم يكن مظهر سلاح داوود يشير إلى حقيقته كمسدس، فلم يكن فيه ماسورة، ولم يكن له مقبض، ولم يكنله زناد ولا ذخيرة. كان له فقط حبلان رفيعان شديدا المتانة، مربوطان من الأطراف بقطعة صغيرة ومرنة من الجلد. وقامت يد داوود الخبيرة في تجويف قطعة الجلد هذه بوضع الحجر الذي انطلق بدوره سريعاً وقوياً كالرصاصة قاصداً رأس جليات، فأصابه وأطاح به أرضاً فأصبح تحت رحمة حد السيف الذي أمسك به الرامي الماهر وقتله به.
إذا كان الإسرائيلي تمكن من قتل الفلسطيني وصنع النصر لجيش “الله الحي” وجيش صموئيل فإن هذا لم يتم لأنه أكثر فطنة وذكاء وإنما لأنه كان يحمل معه سلاحاً بعيد المدى، وكان يعلم كيف يستخدمه.

إن الحقيقة التاريخية البسيطة البعيدة من الخيال تخبرنا أن جليات لم يكن لديه الفرصة حتى ليضع يديه على داوود، أما الحقيقة الأسطورية الشهيرة، صانعة الأوهام، فتخدعنا منذ ثلاثين قرناً بهذه الرواية المبهرة التي تحكي انتصار الراعي الصغير على وحشية المحارب العملاق الذي لم يحمه في النهاية البرونز الثقيل المصنوعة منه درعه وخوذته. وأياً كانت العبرة التي نستطيع أن نخلص إليها من هذه القصة المسلسلة، فإن داوود في معاركه الكثيرة التالية التي جعلت منه ملكاً على يهود أورشليم، بل جعلت قوته تمتد إلى الضفة اليمنى من الفرات، لم يعد أبداً لاستخدام الخرج أو الحجارة. ففي السنوات الخمسين الأخرى نمت قوات داوود إلى درجة أنه أصبح من الصعب التمييز بينه وبين العملاق الشامخ جليات، بل نستطيع أن نجزم، من دون أن نسيء للوضوح المدهش للأحداث أن داوود تحول إلى جليات جديد ولكن جليات لا يسير محملاً بأسلحة مصنوعة من البروتز الثقيل ولا نفع له.

إن داوود الزمان القديم ذلك يحلق الآن في طائرات الهليكوبتر فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويطلق الصواريخ على الأبرياء العزل وداوود العصر المنصرم ذاك يقود أحدث دبابات العالم وأقواها، ويسحق ويفجر كل مايعترض طريقه. داوود الملحمي ذاك، أعيد تجسيده الآن، في صورة مجرم حرب يدعى  آرييل شارون يطلق في وجوهنا بكل تبجح رسالة شعرية دقيقة، مفادها أنه يجب القضاء على الفلسطينين أولاً، ثم التفاوضمع من يبقى منهم ثانياً.
إن هذه الفكرة تلخص تماماً الاسترتيجية السياسية لإسرائيل من ١٠٤٨ مع بعض التغييرات التكتيكية في بعض الأحيان.

لقد تسممت عقولهم بتلك الفكرة التبشيرية عن إسرائيل العظمى فتحول حلم التوسع في نشر الصهيونية النتطرفة إلى حقيقة. وهم ملوثون بهذا اليقين المفزع المتأصل فيهم، والذي يجعلهم يرون أنه في هذا العالم المفجع العبثي يوجد شعب مختار من الله، ولذا بالتالي فإن كل أفعال هذا الشعب مبررة ومسموح بها أوتوماتيكياً باسم أهوال المضي ومخاوف اليوم. تلك الأفعال يحكمها في المقام الأول هاجس العنصرية والتعصب. فقد تربى هذا الشعب وتشكل على فكرة أن أي معاناة سببها أبناؤه أو يسببونها للآخرين وتحديداً الفلسطينين فإنها ستكون دائماً أقل كثيراً مما عانوه هم أنفسهم في الهولوكوست.

واليهود لايكفون عن نبش جرحهم بأنفسهم كي لايتوقف عن النزيف، وكي يجعلوه غير قابل للشفاء أبداً، ويظلون يطلعون العالم عليه كما لو كان علماً لدولتهم.

نصب الإسرائيليون أنفسهم ملاكاً لكلمات الرب القاسية في سفر التثنية: “لي النتقام والعقاب”. إسرائيل تريد أن تشعر جميعاً بالذنب تجاه الأهوال التي رآها اليهود في الهولوكوست. إسرائيل تريدنا أن نرفض الاحتكام إلى أدنى مستوى من المنطق والعقل إزاء أفعالها. وأن نتحول كلنا لتابع مطيع، سلس القيادة يخضع تماماً إلى إرادتها. إسرائيل تريدنا أن نصدق بالقبول على كل جرائمها التي أصبحت بالنسبة لها أمراً واقعاً واجب النفاذ. إنها تريد الحصانة المطلقة.

ولايمكن أبداً من وجهة نظر اليهود أن تخضع أفعال إسرائيل للعقل، وذلك بسبب أبناءها عذبوا ووضعوا في غرف الغاز وحدقوا في معسكر اعتقال أوشفتز.

وإنني أتساءل لو أن اليهود الذين فقدوا حياتهم في مراكز التعذيب النازية تلك هولاء الذين ظلوا مطارين على مر عصور التاريخ، والذين انغلقوا على أنفسهم في إحياد “الغيتو” الفقيرة، ترى لو هذه الجموع الهائلة من البائسيين رأت الأفعال الدامية التي يأتي بها أحفادها الآن، ألن يشعروا بالخزي والعار؟ أوليسن المعاناة الشديدة هي دائماً أقوى دافع كي لا تتسبب في معاناة الآخرين؟

انتقلت حجارة داوود إلى أياد أخرى. فالفلسطينيون هم الذين يلقونها الآن. وأصبح جليات في الجانب الآخر. كما أصبح مسلحاً مجهزاً أفضل من أفضل الجنود في تاريخ الحروب أجمع. هذا بالطبع إلى جانب مساندة الصديق الأمريكي الوفي. ثم يتحدثون عن جرائم القتل الرهيبة للمدنيين اليهود! الجرائم التي يقوم بها من يسمونهم ” الإرهابين الانتحارين” وهي جرائم رهيبة من دون شك، ومدانة من دون شك، لكن من الموكد أن إسرائيل مازال لديها الكثير لتتعلمه إذا كانت غير قادرة على فهم الأسباب التي تحمل كائناً بشرياً على أن يحول نفسه إلى قنبلة.

الأشجار ومعنى الإنتماء والحياة (مترجمة)

* نشر في ساقية

هرمان هيسه (1877-1962) هو كاتب وشاعر وروائي سويسري، حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1946.

في ترجمة حصرية لمقالة المدونة الشهيرة (ماريا بوبوفا)، حملت عنوان “هرمان هيسه وماذا تعلمنا الأشجار في معنى الإنتماء والحياة“، تقول (ماريا):

أستيقظت هذا الصباح لأكتشف أن أحد الشجيرات قد نبتت في وسط المدينة التي أسكنها، اخترقت الصعوبات لتمتد وتكبر وتتفرع وسط طوب المدينة وخرساناتها، صارت أشبه بحديقة، وكل مقومات نموها هي تربة صغيرة لا تصلح لتكون أساساً لهذا العيش. اندهشت لهذا الحدث الاستثنائي وقلت: يالهذه المعجزة، هي رسالة فحواها تقول أننا لا يجب أن ننتظر أذناً من الحياة لنعيشها.

هذا الحدث غير المعهود ذكرني بنص للعظيم هرمان هيسه كنت قد قرأته في كتابه : (الأشجار: تأملات وقصائد).

يقول هيسه: “بالنسبة لي، الأشجار عادة ماتكون المبشر أو الواعظ صاحب النظرة المخترقة للمألوف والنظرة البعيدة.

أقدس الأشجار حين تعيش وسط القبائل وفي الغابات والبساتين، وأقدسها أكثر حين تقف وحدها صامدة، وتعيش بمفردها، تشبه في ذلك الإنسان الوحيد. ليس في طبعها أن تكون كناسك خسر ذاته ونفسه وبقي وحيداً بضعف، بل تقف وحيدة كأولئك العظماء، والجنود الأقوياء، أمثال نيتشه و بيتهوفن.

في عالمها تحدث حفيفاً وخشخشة في أعلى مستويات أغصانها ارتفاعاً، كما أن في جذورها تلقى راحتها حيث عمقها اللانهائي. هي لا تخسر نفسها حيث تكون فتلك الأغصان والجذور تصارع وتناضل في حياتها لأجل شيء واحد فقط وهو أن تعيش ضمن قوانينها الخاصة، وأن تبني ذاتها على شكلها الذي تريد، لتكون مثالا لنفسها.

لاشيء أكثر قداسة ولا شيء أكثر مثالية من شجرة جميلة قوية. في اللحظة التي تقطع فيها تلك الشجرة فإن جرحها يتكشف عارياً لأشعة الشمس، حيث يقرأ تاريخها المرسوم في جذعها كحلقات مستديرة بضوء نوراني، جروحها، نضالها، معاناتها، وأسقامها، وسعادتها وكل حقائقها محفورة على هذا الجذع بكل السنوات الضيقة والفاخرة، وبصمودها أمام الهجمات والعواصف والكوارث.

إن المزارعين الشباب يعرفون جيداً أن أجود أنواع الخشب الذي تكون حلقاته ضيقة والذي ينمو ويكبر في أعالي الجبال حيث أنه كلما  وجدت تلك الأشجار وحيدة في مناطق نائية وخطيرة فإنها تكون أقوى وأكثر مثالية.

إن الأشجار معابد للذين يجيدون الحديث معها، ويجيدون الإصغاء إليها، هي تعلمهم الحقيقة. فالأشجار لاتدعي أنها ابنة الدين أو التعاليم، هي تعظ وتبشر خلال قانون الحياة القديمة دون أن تعترض للتفاصيل.

قالت شجرة: في داخلي يختبئ جوهر الحياة، البريق، الفكرة، أنا حياة ممتدة للحياة الأبدية. إن كثرة المحاولة والمخاطر الفريدة والمختلفة أخذتني للأبدية كأم. هي فريدة من نوعها كأنها أوردة ممتدة في داخلي، هي فريدة لحد أن تكون موجودة في ندبات أصغر الأوراق في أغصاني، هذا ما شكل الأبدية في تفاصيلي الخاصة الصغيرة.

قالت شجرة: أثق بقوتي، لا أعرف أي شيء عن أبائي، لا أعرف أي شيء عن ألف طفل أنجبته للربيع، أعيش بأسراري حتى النهاية، أثق بأن الخالق في داخلي. أثق بأن عملي مقدس، ولهذا أثق بأني أعيش.

في تلك الأوقات التي نصاب فيها بالمحن، حين نكون عاجزين للدرجة التي نشعر فيها أننا لن نصمد في وجه الحياة أكثر يجب أن نقف أمام شجرة، لأنها دائماً تحاول أن تقول لنا شيئا مثل : حاول البقاء، اصمد أكثر، بل أنظر إلي واصغي جيداً، الحياة ليست بتلك السهولة ولكنها أيضاً ليست بالصعوبة التي نظن، ماتمر به مجرد أفكار متطفلة، فالوطن ربما ليس حيث أنت وربما لن يكون في مكان آخر، لأن الوطن يجب أن يكون في داخلك وإلا لن يكون أبداً.

في الليل وحين أسمع الصوت الهارب من أوراق الشجر الناتجة عن حركة الرياح أصاب بشعور في قلبي كبكاء المشتاق. إذا استمع أحد ما لذلك الصمت فترة طويلة فإنه سيكشف عن معناه، هو ليس سبيلاً للهرب من المعاناة عالرغم من أنه يبدو كذلك، هو حنين إلى الوطن الأم، للحياة القديمة حيث أنه ليس دليلاً على استعارات جديدة للحياة. هو الطريق المؤدي للوطن، هو الخطوة لولادة جديدة، وربما خطوة للموت، وكل أرض وإن كانت أشبه بقبر فإنها في النهاية ستكون الأم التي تلدنا من جديد.

الأشجار لا تصدر صوتاً في المساءات التي نقف فيها قبالتها محملين بأفكارنا الطفلة كأن صمتها إنصات: للأشجار أفكار ممتدة بعمق جذورها وبطول أغصانها، لهذا فإن لديها نفس طويل لسبب أن حياتها تتعدى طول حياتنا، فالأشجار أكثر حكمة منا ونحن لا نستجيب لحكمتها لأننا نصم أذاننا عنها. لكن من يأخذ فرصة الإستماع إلى الأشجار فإن الإيجاز والتسرع الطفولي للأفكار سيحقق بهجة لاتشبه شيء آخر.

الذي يستمع للأشجار بتفكر وفهم لن يتمنى أن يصبح شجرة، بل سيبلغ مرحلة التقبل لنفسه كما هو، لأن نفسه هي الوطن وهي السعادة.

مقام الأذان

سأحدثكم هنا عن وثائقي جميل وعميق جداً شاهدته اليوم على الجزيرة الوثائقية.. الوثائقي الذي أثار في نفسي للمرة الأولى رغبة أن أرفع الآذان بصوتي في أحدى المآذن على مقام الصبا.

اسم الوثائقي: مقام الآذان

Screen Shot 1436-09-14 at 9.46.03 PMيحدثنا هذا الوثائقي عن طريقة العثمانين وتركيا الحديثة في تعاملها مع الأذان والمؤذنين كعنصر مهم يجب أن يعتنى به و كميراث عزيز كان قد ورّثه الرسول الكريم للبشريه. ولهذا كانت الدولة العثمانية قد أبتدعت طريقة منظمة لاختيار المؤذنين الذين ينادون نداء الله في المساجد. وكان لهذا التنظيم المبتكر آلية خاصة تعكس بطريقة أو بأخرى وجه من أوجه حضارتها. وحين تضآءلت شمس العثمانية وانحسرت وسطع عهد آتاتورك في الثلاثينيات أمر بتغييرات كثيرة كما نعرف و كان منها تغيير لغة الآذان. فبعد أن كان يصدح الآذان في مآذن تركيا العظيمة كلها بالعربية أصبح بعد أوامر آتاتورك يرفع باللغة التركية، ولم يكتفي بالأمر فقط بل قام بفرض عقوبات على من يخالف هذا القرار، وهذه ربما إحدى مظاهر القومية التي تمتع بها أتاتورك. واستمر هذا الوضع حتى١٩٥٠. على الرغم من أن هناك عرف تركي يقول: أن من يؤذن بغير لغة القرآن “العربية” فهو آثم، إلا أنه لا شيء تغير حتى مع وجود مقاومة كبيرة من مؤذني مساجد تركيا. تلك المقاومة استمرت إلى أن انتُخب “عدنان مندريس” كأول رئيس منتخب في عام ١٩٥٠. بعدها عاد الأذان إلى اللغة العربية ليصدح من جديد في سماء تركيا حتى أنه قيل: من شدة فرحة مؤذني اسطنبول صعد كل مؤذن إلى شرفة من شرفات المآذن وصار يؤذن، فلكم أن تتخيلوا مثلاً كم مؤذناً قد صعد في كل شرفة من شرفات مآذن جامع السلطان أحمد وبدأ الآذان؟! قد يتجاوزعددهم ١٦ مؤذناً.. وياللمبالغة!

كما نعرف فإن الدولة العثمانية اهتمت  بالمساجد اهتماماً كبيراً كواجهة للحضارة الإسلامية، ونرى أن هذا الاهتمام امتد باسمها حتى اليوم بشكل أو بآخر. فتركيا الحديثة مهتمة بشكل خاص بجمال صوت الأذان، و من المهم أن نعرف أن الأذان في تركيا اليوم لا يرفع بشكل اعتباطي أو بصوت عادي بل أنه لا يرفع إلا بصوت جميل مدرب على أحد المقامات. ولهذا السبب يوجد  مدرسة هي المسؤولة عن تنظيم الأئمة والخطباء والمؤذنين تدعى مدرسة “الأئمة والخطباء”. فعلى كل من يريد أن يصبح مؤذناً كان لزاماً عليه أن يلتحق بهذه المدرسة ويتعلم القرآن ويحفظه كاملاً، إضافة إلى ذلك يجب عليه تعلم التجويد ومخارج الحروف وليس هذا فحسب بل يتم اختياره بعد إخضاعه لفحص الصوت، حيث يجب أن يكون في طابعه الجهر والوضوح والصفاء، وبذلك يكون متناسباً مع إعتقادهم بأن الأذان لا يجب رفعه إلا بصوت جميل وطريقة جميلة وآداء كامل ومثالي. ولهذا فإنه يجب على كل مؤذن من مؤذني تركيا أن يتأهل في مدرسة موسيقية، يتعلم فيها المقامات الموسيقية على آلة الكمان والقانون والناي. ثم يتم تطبيق كل تلك المقامات على الآذان، ومالم يكن بالاتقان والجمال الذي يتناسب مع النداء إلى الله، فإنه يبقى تلميذاً حتى يتقن. فنداء الأذان بالنسبة لهم له قدسيته التي لا تسمح بأن يخرج ركيكاً أو ضعيفاً لأن الجمال لا يكون إلا قوياً ومبهراً وبذلك يكون الأذان أي “نداء الله” برداً و سلاماً على الأنفس بتنوع اعتقاداتها ومذاهبها.

Screen Shot 1436-09-14 at 10.21.17 PM

فيقول أحد المؤذنين : عندما أرفع الأذان أفكر في كلماته، ويتدفق الأذان كالماء فينفتح كل شيء أمامي حتى أن الكلمات تلامس وجدان الناس. ويقول آخر كناية عن أهمية الالتحاق بمعهد الموسيقى وتعلم المقامات وتحسين الآداء الصوتي والوجداني عبر الموسيقى: يجب أن تنطلق هذه الرسالة بصوت جميل ومقام جميل وموسيقى جميلة.

Screen Shot 1436-09-14 at 10.21.49 PMتعلم المقامات ليس أمراً عابراً بل ملحاً في تركيا، يتعلم كل مؤذن المقام والهدف الرئيس من هذا المقام وأي الأوقات هي الأنسب  ليشق طريقه إلى الآذان والوجدان فهم معتقدين تماماً أن الأذان لا يجذب من يذهبون إلى المساجد فقط بل يجذب حتى الذين لا يهتمون بالمسجد و الصلاة، أي أنه الصوت الذي يستعيد به كل إنسان روحه ويهديها كرسياً تتكأ عليه.
فقد خُصص في تركيا لكل أذآن مقام يتناسب معه فيقال: أن المقام الذي ينطلق منه أذآن الفجر يكون على مقام الصبا، والأذآن الذي يقام في منتصف النهار  أي في الظهر يكون على مقام العشاق واختير العشاق تحديداً للنهار تأصيلاً للجمال ودافعاً للعمل. أما أذآن العصر فيقوم على مقام الرست وحزمه. ولقصر الوقت بين المغرب والعشاء فإن أذآن المغرب يكون خفيفاً سريعاً متناسباً مع هذا القصر ولذلك اختير له مقام السيكاه. ولأن من طبيعة الأتراك سابقاً أنهم يغنون للأطفال الأغاني قبل النوم على نغمة الحجاز فإن أذآن العشاء يقام في تركيا على مقام الحجاز تناسباً مع عرفهم الجميل.
قد يرجع هذا الاهتمام باقتران الأذآن بالموسيقى لإهتمامهم العميق بالموسيقى الدينية بالعموم والصوفية بالخصوص، ويبدو أنهم يعتبرون الأذآن جزء لا يتجزأ من الموسيقى في معناها العلمي الذي يحتاج كل مؤذن لإتقانها وذلك بالخضوع للتعلم والتدريب ومن ثم الممارسة.

يؤسفني أخيراً أن أقول بأن أحرفي لا تستطيع أن تتحول إلى أصوات لتسمعكم تلك المقامات كما يتغنى بها أولئك المؤذنون، بل إن الأذآن على المقامات التي ذكرتها يجب أن تسمع خلال روح متمعنة وهذا ما سيحصل بمتابعتكم الوثائقي الجميل “مقام الأذآن”. اترككم الآن.

هنا والآن، إيريك فروم

* نشر في ساقية

إيريك فروم (1900 – 1980) عالم نفس وفيلسوف إنساني ألماني أمريكي. ولد في مدينة فرانكفورت وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 1934. والتحق بجامعة فرانكفورت وهايدلبيرغ حيث درس فيها العلوم الاجتماعية والنفسية والفلسفية. له العديد من المؤلفات العميقة، منها كتابه العظيم (الإنسان بين الجوهر والمظهر)، والذي نقتبس منه هنا. يتحدث (إيريك فروم) هنا في الماضي و الحاضر والمستقبل من حيث أسلوب التملك و الكينونة والفرق بينهما فيقول:

لايوجد أسلوب الكينونة إلا في هنا والآن. بينما لايوجد أسلوب تملك إلا في الماضي والحاضر والمستقبل.

في أسلوب التملك،
نحن مربوطون إلى ماتمكنا من حيازته في الماضي: المال، الشهرة، المكانة الاجتماعية…وغيرها. نحن نفكر في الماضي ونشعر بتذكر مشاعر الماضي أو مايبدو كذلك. وهذا هو جوهر العاطفة، ومن ثم فنحن لانكون إلا في الماضي، ويمكن القول: أنا هو ماكنت.
أما في المستقبل، فهو مانتوقع أن يصير إليه الماضي. والإحساس بالمستقبل في أسلوب التملك مثل الإحساس بالماضي، ويتضح ذلك في تعبير “هذا شخص له مستقبل” للدلالة على أن الشخص سيملك أشياء كثيرة، حتى لو لم يكن يملك الآن شيئاً.
والحاضر ليس إلا نقطة الوصل بين الماضي والمستقبل، ليس إلا محطة في مسيرة الزمن، ولاتختلف اختلافاً نوعياً عن العالمين الموصولين.

أما الكينونة،
فهي ليست بالضرورة خارج الزمن، ولكن الزمن ليس هو البعد الذي يحكمها. ولنضرب مثلا بالمفكرين. إن كتابة الأفكار عملية تحدث في الزمن أما تصورها فهو فعل خلاق خارج الزمن، وهكذا التجليات الكينونية، الحب والفرحة وإدراك الحقيقة.. كلها لاتحدث في الزمن، وإنما هنا والآن. وتلك هي السرمدية، أي التحرر من الزمن، فالسرمدية لاتعني كما يساء فهمها أحياناً الزمن الممتد بغير نهاية.
ومايخص الماضي، فإن الإنسان يستطيع إحياؤه، ويمكن أن يحس الإنسان بموقف قد مضى بالعذوبة والنضارة نفسيهما كما لو كان يحدث هنا والآن. أي أن الإنسان يستطيع خلق الماضي، ويعيد إليه الحياة، فيكيف الماضي على أن يكون ماضياً، ويكون هنا والآن.
وكذلك المستقبل، يمكن أن نحسه به كما لو كان هنا والآن. ويحدث هذا حين يتصور الإنسان حالا مستقبلية بدرجة من الاكتمال، بحيث تكون هي المستقبل من الناحية الموضوعية، أي كحالة خارجية وليست خبرة ذاتية داخلية. وهذا هو في الحقيقة التفكير الطوباوي الأصيل عكس أحلام اليقظة الطوباوية. إنه جوهر العقيدة الأصيلة الذي لا يحتاج إلى التحقق الخارجي في المستقبل كي يومن به الإنسان، أي لايحتاج لجعل الخبرة الذاتية واقعاً.

نظرة محمد إقبال إلى حرية الاختيار وعلاقتها بالقدر

* نشر في ساقية

محمد إقبال (1877 – 1938)، هو أديب وفيلسوف إسلامي هندي. وهو شاعر، تأثير به الكثير من الأدباء العرب. وهو أوائل المنادين بفصل باكستان عن الهند في أوائل القرن الماضي.

يقول (محمد العربي بوعزيزي) في كتابه (محمد إقبال، فكره الديني والفلسفي)، مجيبًا على السؤال: كيف نظر محمد إقبال إلى مسألة حرية الاختيار وعلاقتها بالقدر؟

يقر إقبال قدرة الإنسان على اختيار أفعاله، ويذهب إلى أن تعيين مواقيت الصلاة يحقق حرية الإنسان في قيادة نفسه وامتلاك زمامها، ويحررها من آثار الآلية الموجودة في النوم والعمل بإعتبار أن الصلاة خلاص للنفس، ينقذها من الآلية إلى الحرية، ويقول في هذا الشأن: “الحق أن القرآن يقر حقيقة كبيرة الأهمية من حقائق النفس الإنسانية، تلك هي الإرتفاع والانخفاض في قدرة الإنسان على اختيار أفعاله. وهو يحرص على بقاء القدرة على حرية الاختيار في الفعل بوصفها عاملاً ثابتاً لا يتناقض في حياة النفس“.

كما أن إقبال يعترف بالقدر ويعتبره جديراً بالاعتبار، إذ القدر يعطي للنفس الإنسانية قوة عظيمة على مواجهة الضرورات التي لا مفر منها فيتقبل المرء القدر بخيره وشره وأن الإيمان طريقة حيوية تقوم على الاستجابة المطلقة لضرورات الواقع الذي يعكس الزمان المتجدد بما ينطوي عليه من خلق وإبداع. كما اعتقد أيضاً بأن الإيمان ليس مجرد اعتقاد سلبي في حكم و أحكام من نوع معين، وإنما هو طمأنينة حية متولدة عن تجربة نادرة لا يسمو إليها وإلى ماتتضمنه من (القدر) الأسمى إلا الشخصيات القوية، بحيث تفنى إرادة المؤمن في إرادة الله المطلقة ( القضاء والقدر) فتكتسب بذلك حيوية وصلابة.