ثرثرة من مقعد في مقهى ..

مر وقت طويل جدا جدا عن الكتابة في صفحات مدونتي، لا أعرف حقيقة السبب الذي كان يعيقني عن فعلها أو اقترافها أو حتى التسلية خلالها، غالبًا ليس هناك سبب محدد عدا أنه لا مزاج لي !
والآن ولدي هذه الرغبة الجارفة والمجنونة بداخلي، ماذا عساي سأكتب؟ أو بماذا سأبوح؟
هل أتحدث عن أحد فتياتي التي يعشن داخلي؟ ربما سأحب ذلك .. وأقول ربما لأني لطالما لم أكن واثقة من أي شيء .. وكل شيء ..

أجلس الآن في شرفة أحد المقاهي في اسطنبول، أمامي أشجار لاتنتهي، وخضرة تجعل الروح طيبة، وسماء ممتدة بزرقتها، متناثرة في نواحيها بعض السحب القطنية التي تتمنى لو تقفز على أحدها وتتمدد فيها وتمضي معها إلى حيث تتلاشى ولاتعود موجوداً ، أي تنتهي كما تنتهي غزل البنات في يد الاطفال.. لنعود لاسطنبول، أسكن اسطنبول نعم، لكن ليست تلك التي يعرفها الجميع، بل التي تزيد كيلومتراتها بعدًا عن المنطقة القديمة قرابة ال 40، هذا على أقل تقدير .. ساكنيها أتراك بلاشك، تجد فيها جاليات صغيرة مختلفة من العرب مثلي.. تستطيع أن تصادفهم، تبتسم لهم وتمضي .. إن كنت سأتحدث عن الحياة، وعن نفسي تحديداً ، فأنا هنا اكثر انسجامًا مع حياتي .. مهما كبرت مخاوفي فلازلت في إطار الحياة، عفواً ربما لا أحد يعرف أن الحياة في مكان آخر بالنسبة لي أكثر اختناقًا وحدّة إلّا من صداقات قليلة لولاها لكان كل شيء أكثر سوءً ..
أسير في شارع طويل، أركب الباص، أتوقف في المحطة التي أريد، أكرر مواصلة المشي للمكان الذي أريده .. نعم بهذه البساطة .. ثم أني لا أملّ الحدائق التي تعيد إلي توازني في كل مرة أتمدد فيها على العشب، أو أحرر خلالها قلبي من عوالقه .. أفعل بقلبي مايُفعل بالأشجار تماما ، أشذّب أطرافه ..
مالذي أريد أن أقوله من كل هذا؟ لاشيء .. عدا أني أحاول العودة لأماكني تدريجيًا.. فأنا لم أعد في أي مكان، لا أنتمي حتى لنفسي .. كيف يعيش الإنسان مشرداً في داخله ؟ وحيدًا دون أن يجد ملاذه في نفسه؟ هذا الضياع كثيراً مايجعلني أكثر اضطرابًا مما أبدو عليه.. الروتين الذي يكرهه الناس، هو حقيقةً الأجدى للانجاز، والفعل المتواصل، و من يعرف كيف ينسجم مع روتينه بذكاء، فهو محظوط جدًا .. لست أقدّم أي نصيحة لأحد، لأني فعلاً أكتب لنفسي، لأجل أن أترك قلبي يتحرر من قيود لا أفهم كيف قيد نفسه فيها..
لطالما آمنت بالمحاولة ، والمحاولة، والمحاولة ، حتى اسميت نفسي بشكل سري “محاولة” فحين أسأل: من أنا؟ أجيب في نفسي: محاولة! لكن المصيبة هي أن محاولاتي بقيت في إطار ضيق، وهذا ماتم اكتشافه بشكل متأخر جدًا .. أدور في دائرتي المريحة ربما ، حتى إذا ماخرجت منها شعرت بنفسي أسقط عميقًا.. رغم أن كل سقوط أعود منه في النهاية وأقف ولابأس .. لكن الحقيقة أننا نخسر كثيرًا في سقوطنا .. نخسر في أحيان كثيرة أطراف قلبنا حتى لا يعود يعرف كيف يمضي ويسير ويحلق.. لكن أصبحت أفكر أنه ربما ولا بد من الخسارة على أي حال، إذا أردنا أن نكسب شيئًا غالبا سنخسر آخر، وإذا لم نرد الخسارة أبدًا فإننا ربما لن نحضى بشيء.. معادلة بسيطة؟ بديهية؟ لا أعرف!
لقد تعرفت على معاني مقابل معاني حتى إذا ماكنت واثقة منها بدأت أتشكك في وثوقيتها كالتخلي على سبيل المثال .. فأنا قد تخليت كثيرًا عن علاقات، صداقات، حتى ماعدت أطيق فكرة “التخلي”، كان دائمًا في سبيل أن أكون أكثر انطلاقًا وتجاوزًا لمناطق انحبست فيها طويلًا .. والآن أتساءل ماذا عن الأحلام والأمنيات والذين نحبهم ؟ مثلاً رحلتي الطويلة في أرجاء العالم! هل حقًا تخليت عنها؟ لا أعرف.. لا أعرف مطلقًا .. فأنا لم أعد أفكر في الأمر كما كنت أفعل من قبل .. وهذا تحديداً يجعلني أتساءل، ماذا عمّا نريده حقًا؟ ألا نتشبث؟ ألا نتمسك؟ ألا نحارب؟ ألا نناضل؟ أم أننا نمضي و نترك للحياة أن تدور وتعيدنا إذا كان لنا عودة؟

لن أجيب على أي من الأسئلة، ولن أطرح المزيد، ولن أقول بأن الفتاة التي كتبت عنها بالأعلى هي أنا.. ربما هي طيفي، خيالي، أو جزء أصيل مني أو لست أنا أبدًا.. لن يعرف أحد ذلك .. وربما حتى أنا لن أعرف مطلقًا ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *