حدث متخيل ..

who-am-i

جلست على أريكتها المفضلة أمام شاشة التلفاز. وقبل أن تضغط جهاز التحكم لتتابع مسلسلها الذي سيبدأ بعد 3 دقائق، رأت نفسها على الشاشة، شغلها الأمر كما لم يشغلها من قبل.. انعكاس مألوف، عادي، وطبيعي. فهي تجلس كل يوم في مثل هذا الوقت، في نفس هذه الأريكة وبنفس هذه الطريقة ولا تأخذ هذا الانعكاس الظاهر لنفسها على الشاشة كمرأة على محمل الجد. قد مضت أيامها ضمن هذه المعرفة البديهية دون أي ارتباك، أي أنها لم تستوقفها تلك المعرفة للمحاسبة والسؤال من قبل.. فلماذا اليوم؟ وهذه الساعة تحديداً؟

أخذت تراقب نفسها، تحرك يديها، ترفع قدميها، تبتسم، وتبكي، وحولت تلك المراقبة لبضع مشاهد هزلية وجادة في الوقت نفسه. كانت قد تخيلت أنها تستطيع أن تؤدي الأدوار ببراعة وإتقان ضمن سلسلة طويلة من الانفعالات. وبعد تأمل نفسها لنصف ساعة قررت أن تؤدي مشهداً عابراً، علّ الشاشة الذكية تلتقطه دون علمها. فبدأت تمثل دور توأمين هي على أرض الواقع، وتوأمها الظاهر في الشاشة.
كان التوأمان قد انفصالا لسنين طويلة، ولم يلتقيان لعدة سنوات، وحال ما رأى كل منهما الآخر، بدأت بتقمص الشخصية، وحاولت أن تظهر تفاصيل الصدمة من رؤية توأمها الجاثم أمامها بشكل ملفت ومتقن جداً، كانت تحاول فعلياً أن تمثل الدور على أكمل وجه. كانت تقف وقد اتسعت عيناها من هول المفاجأة، وانفرجت شفتاها عن بعضهما في ذهول بعد أن كانتا مطبقتين. أخذت تقترب إلى انعكاسها ونفسها، وتوأمها كما يبدو، ببطئ، بل ببطئ شديد.. كما أن الآخر بدوره -الانعكاس- كان يقترب إليها في ذات الوقت، كانت طريقة الاقتراب المتبادلة لطي المسافات تثير اهتمامها في تلك اللحظة. فعَبر سؤال على ذهنها يقول: ماذا سيحصل لو أننا والآخرين اللذين نحبهم نطوي المسافات إلى بعضنا بذات الطريقة على الواقع أيضاً؟! لم تجعل السؤال يشغلها، فقد كان اللعب على هذا الدور أهم في نظرها من أي شيء آخر الان.. رؤية نفسها تؤدي دوراً درامياً مختلفاً بشكل جدي ويحمل أطناناً من المشاعر المختلفة أمر لا يتكرر، وربما لن يحدث مرة أخرى!
كانت تقوم بتفعيل تلك المشاعر المتراكمة داخلها من وحي السنين داخل ذلك المشهد، تلك المشاعر التي لا تعرف كيف تظهرها على نحو طبيعي أمام من تحبهم من الأصدقاء، بل وحتى أمام أخوتها في الواقع! كانت تفعل ذلك أمام نفسها بجرأة كبيرة بل برصانة وعمق.. حتى أنها كانت تعيشه بحواسها كاملة كما لو أنه حدث حقيقي .. كان لقاءً كما يبدو عن قرب -أي من داخلها- حميماً وصادقاً و لكنه من زاوية الواقع ليس كذلك. فهي تعرف جيداً أنهما شخص واحد على أي حال، أي ليس هناك لقاء على وجه الحقيقة. ورغم ذلك فعند وصولها نقطة الإلتقاء بتوأمها، أخذت تبكي بعمق شديد، بشكل هستيري لم تفعله من قبل! خصوصاً وأنها كانت لا تستطيع الانتقال إلى نفسها فعلياً ولا احتضانها بعد هذا الفقد الطويل، ذلك الفقد غير الواضح أو المبرر. لكنها عاشت تلك اللحظة من جذورها، ثم أكملت التمثيل من بعد كل ذلك السيل الجارف من المشاعر الحقيقية، بمشاعر من أستطاع أخيراً أن يصل إلى توأمه، دون وصول.
أدت المشهد بشكل يفوق الوصف، متقن لدرجة أن يوماً ما بعد عدة سنوات، عاشته مرة أخرى وقد تقمصت فيه ملامح حُفرت فيها كثير من المشاعر المختلطة. دفعتها لتمسح للآخر دموعه بمدها يدها إلى وجهه، كانت تمثل ذلك بصمت يحمل الكثير من التعابير إلا من رجفة بكاء تحاول عدم التعري، وعند اللحظة التي اقتربت فيها لتخترق بيدها الشاشة على أمل الوصول إلى نفسها وتوأمها المقابل بشكل حقيقي.. في تلك اللحظة بالذات صفق الجمهور، صفق بشكل متواصل! كان جمهوراً حقيقياً، على مسرح حقيقي. كان يصفق بحماسة وبإعجاب شديد لأنها أدت دورها بشكل مدهش ومتقن.. كانت تؤدي الدور على المسرح بشكل استثنائي، فستحقت تلك التحايا، واستحقت ذلك الجمهور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *